الأستاذ محمد الأمين ولد أعمر : محطات ومناقب

تمر بعد أيام الذكرى الخامس عشرة لرحيل الأستاذ محمد الأمين ولد أعمر الذى يعتبر رمزا خالدا من رموز مدينة تامشكط الحبيبة التى حول إليها يناير 1962 معلما مساعدا متربصا خريج معهد أبى تلميت – شعبة المعلمين – ومنذ ذالك العهد دخل اسمه كل بيت وسكنت ذكراه كل قلب من قلوب أبناء تامشكط إلى اليوم فقد كان أبا ومعلما وصديقا لكل كبير وصغير فى هذه المقاطعة التى تحتوى عاصمتها حينها على مدرسة واحدة حظيت منذ أول وهلة بإدارة هذا الشاب المتعلم المثقف المتقن لعمله المتفانى فى حب وطنه فمن هو هذا العلم ؟
مولده:
ولد الأستاذ محمدالأمين ولد أعمر فى مدينة المجرية بولاية تكانت سنة 1940 وكان والده زعيما تقليديا فاقتضت الضرورة أن يبعث به إلى المدرسة التى لم تكن مقبولة من طرف المجتمع الموريتاني مخافة أن يتأثر الأبناء بثقافة المستعمر الكافر ولكن لا مناص لشيوخ القبائل من أن يدخلوا أبناءهم للمحافظة على العلاقة مع الإدارة .
فى هذا الجو بالذات دخل المدرسة مبكرا وبدأت علامات الذكاء والنبوغ تظهرعليه بجلاء فاجتاز المرحلة الإبتدائية بنجاحه فى شهادة الدروس الإبتدائية من مركز المجرية سنة 1955 ليلتحق بإعدادية روصو التى حصل منها على شهادة ختم الدروس للسلك الأول من التعليم الثانوى مقدمة من أكاديمية افريقيا الغربية الفرنسية(aof ) سنة 1959
وفى السنة الموالية التحق بمعهد أبى تلميت الذى كان يومها يحوى les cours de boutilimitt وهى النواة الأولى لمدارس تكوين المعلمين وقد توج هذا التكوين بزيارة وتدريب بالمعهد الوطنى للتربية بسنلوى .
كانت السنة الدراسية 1961 – 1962 هي أولى سنوات الخدمة بالنسبة له فى قطاع التعليم معلما مساعدا متربصا ليتم تحويله إلى مدينة كيفة التى حول منها بعدنهاية الفصل الأول من السنة الى تامشكط بموجب تبادل بينه والمعلم المتميز جدأهل ولد سالم .
لقد اختار مدينة تامشكط لوجود والدته بها .
المسار المهنى :
عند تحويله الى مدرسة تامشكط كان المدير وقتها الأستاذ المفتش سيدى عالى افرانسوا الذى أعجب أيما إعجاب بحيوية وكفاءة الشاب المعلم محمد الأمين
وفى سنة 1964 اجتاز الأستاذ محمد الأمين ولد أعمر الامتحانات الشفهية والتطبيقية للكفاءة التربوية باستحقاق وكان مدير المدرسة آنذاك الأستاذ المختار ولد بوبان الذى حل محله الأستاذ محمد الأمين ولد أعمر اكتوبر 1965 مديرا لهذه المدرسة وكان عصره العصر الذهبي لها ففى ظل إدارته ارتفعت نسبة نجاح التلاميذ كل سنة فى امتحانات دخول السنة الأولى الإعدادية وشهادة ختم الدروس الابتدائية والتحق التلاميذ من المناطق والقرى فى المقاطعة بهذا الصرح العلمي المتميز الذي يقوده الشاب المعلم ( ولد أعمر ) كما يسموه دائما ، وفى عهده ازدهر القسم الداخلي وغص بالتلاميذ الوافدين وغيرهم من أبناء المدينة المحتاجين وكان يخصص سلات غذائية شهرية للأسرالضعيفة التى تعيلها نساء ولها أبناء مسجلون فى المدرسة .
وفى سنة 1969 اختاره حزب الشعب الموريتاني أمينا عاما لقسم تامشكط وأعيد انتخابه لمأمورية أخري من طرف ناخبى المقاطعة .
وفى سنة 1976 حول مراقبا عاما لثانوية كيفة وهنا يقول الأستاذ عبدالله اتقانا رحمه الله فيه :
محمد لمين المدير ول اعمر يكان أحول
لاه يحول حد اكبير ينتكل اعليه ء يعول
وفى العام الموالى عاد الى مدينة تامشكط مدير للمدرسة رقم 2 ليحول فى الافتتاح الموالى مديرا للمدرسة رقم 7 بانواكشوط مدة سنتين دراسيتين .
وفى العام 1980 التحق بالمدرسة العليا للتعليم ليتخرج منها أستاذ تعليم ثانوي حاصلا على شهادة الكفاءة للتدريس فى المرحلة الأولى من التعليم الثانوي سنة 1982 شعبة الآداب العصرية – مادة اللغة الفرنسية ، وعند تخرجه عين أستاذا بثانوية كيفة .
وفى سنة 1985 عين مستشارا تربويا بالمعهد التربوى الوطنى بانواكشوط ليعود إلى كيفة فى العام الموالى مديرا جهويا للمعهد التربوي الوطنى الوظيفة التى ظل يشغلها حتى تقاعده فاتح اكتوبر 1990 .
الجدير بالذكر أن الأستاذ محمد الأمين ولد أعمر طيلة عمله مديرا لابتدائية تامشكط كان نعم المديرالناصح لتلاميذه الذين شكلوا نخبة فى الوطن حيث كان من بينهم وزراء ومديرين وقادة عسكريين ومتخصصون فى مختلف المجالات ولازال الأحياء من هؤلاء يلقبونه ( monsieur ) فى إشارة إلى معلم اللغة الفرنسية.
الجانب السياسي :
كان الأستاذ محمد الأمين ولد أعمر سياسيا وطنيا ذو ضمير حر يكره الظلم والغبن ، ثائرا قوميا مهتما بالقضايا الوطنية والقومية مناصرا للقضايا العادلة ، مساندا لثورات التحرر فى العالم ، يقول الحق ولو على نفسه ، يعارض الفساد والمفسدين ويحلم بالدولة الوطنية الناهضة المتصالحة مع أبنائها ، يعشق الطبقة الكادحة .
كافح الاستعمار وهو تلميذ وطرد إثر مشادات مع أستاذ فرنسي لاسباب وطنية وقد تسبب ذالك فى اضراب شارك فيه إضافة له زملاءه فى القسم خاصة التلميذين معاوية ولد الطائع والعقيد أحمدو ولد عبدالله .
رغم كونه انخرط فى حزب الشعب الحاكم إلا أنه كان ثائرا متمردا على الحيف والاستبداد.
التحق بهياكل تهذيب الجماهير فى كيفة لشغفه بالسياسة إلا أنه لم يجد ضالته فيها .
وعند اعلان دستور 20 يوليو 1991 انخرط فى حزب التجمع من أجل الديموقراطية والوحدة رئيسا لمكتب لعصابه الجهوى ولكنه لم يلبث ان انسحب لعدم رضاه بمواقف الحزب الداعمة للنظام .
اعتزل السياسة منذ 1996 لكنه ظل يطرح رأيه بكل قوة ودون خوف ولا طمع معارضا لايشق له غبار.

بعض مميزاته:
يتميز الأستاذ محمد الأمين ولد أعمر بالصدق والصراحة والوفاء والشهامة وبر الوالدين و المحافظة على الصلاة والصيام والحرص على الطهارة الدائمة وقد حج بيت الله الحرام سنة 1969.
يتميز بمطالعة كتب الفقه واللغة العربية رغم ثقافته الفرنسية وقد حصل على شهادة ختم الدروس الإبتدائية العربية سنة 1964 .

وفاته :
فى يوم الاثنين 25 يوليو 2005 وفى قرية السياسة حاضرة أجداده أسلم الأستاذ محمد الأمين ولد أعمر روحه لباريها وبها دفن الى جانب والده .
اللهم ارحمه واغفر له واعف عنه وعافه ، اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وخفف على الصراط أقدامه واسقه من حوض النبي المصطفى صلي الله عليه وسلم شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبدا واحشره اللهم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيق

  • الاستاذ : عبد الله محمد الامين أحمد عثمان

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *