على مثل “دشق” تبكي البواكي.. / الرائد محمد ولد شيخنا

صباح الأربعاء صعدت روح العقيد محمد ولد دشق إلى بارئها بأرض إسبانيا النائية جغرافيا، القريبة تاريخيا لأنها “الأندلس”.
ولكونه مؤمنا ومحسنا وبرا بوالدته فقد واجه المعاناة بشجاعة وتسليم كامل،  وظل قويا واثقا من ربه أمام المرض العضال الذي صاحبه بحكم الشهيد.
ورجاؤنا من ربنا الكريم الغفور أن يكون قد تغمده بواسع رحمته، وأسكن روحه الطاهرة في عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا؛ غير أننا لا زلنا ننتظر عودة البدن لتقر منه العيون الدامعة والقلوب الخاشعة، لنشيعه بما يستحق ونحسن وداعه وهو يغادرنا، كما كان يحسن إلى الجميع وهو بين ظهرانينا.  
الفقيد محمد هو سليل بيوت عز معروفة،  فهو ولد “سيدي ولد هنون”، وولد “عبدالمالك” من جهتي الأب والأم، وأثر ذلك المحتد ملموس في سلوكه ونبله وتعامله. 
لقد عرفته ونحن ندخل الخدمة العسكرية سنة 1985، من الدفعة الخامسة للضباط العاملين بمدرسة أطار أو ما تدعى دفعة العقيد “يال عبدالله” عليه رحمة الله .
كان الفقيد من الفئة العمرية فوق العشرين، وهو ما ظهر في نضجه وسعة أفقه، وقوة تحمله البدنية والمعنوية، فضلا عن مستوى تحصيله؛ إذ كان دائما في الأوائل في الدفعة، ومعدودا بجدارة من النخبة.
اشتركنا بعد ذلك في دورة التطبيق  للمشاة سنة 89_90، ودورة التمهر (للنقباء) في 91_92، فضلا عن أسفار الدراسة داخل وخارج البلد، بل لم نكد نفترق حتى سنة 92 بحكم الخدمة سويا في حاميات انواكشوط، وهو ما جذر علاقة الزمالة وجعلتها تنزل إلى المحيط العائلي له.
مع الفقيد محمد ولد دشق نتشاطر التفاصيل الأولى لحياة العسكرية القاسية و”الفاتنة”، والكثير من أوقات الألفة ومرح الشباب والذكريات التي لا تنسى، في أوقات وأزمنة مختلفة ضمن تضاريس آدرار المتباينة، ما بين سهل وجبل، وتحديدا في ربوع وأكناف مدينة “أطار ” الآسرة، والمكتنزة للعواطف الجياشة لأجيال وأجيال من الشباب الأطر العسكريين، منهم من ارتقى  للشهادة، وغيرهم يتنسم حاليا أعلى مراتب القيادة، والكثيرون بين هذا وذاك.
عندما كنا نلتقي وقد صرنا كبارا؛ كانت  جغرافية الأماكن والمسميات مدعاة للشجن والتعلق بالماضي، فبالنسبة لنا لكل منها حكاية لارتباطها بفعالية تدريبية أو واقعة من حياة الميدان أوعشرة الجندية الأولى.
 وبالطبع فقد كان السنام من ذكريات  الأسماء والمسميات ذات الأخاديد المحفورة والعواطف الجياشة هو بموضع يدعى “لقرينات”، وبصنو آخر له أكثر شهرة يدعى”أماطيل”، واللذين يرتبطان بتمارين فصلية ختامية شديدة الوطأة، حيث يتم طبخ بدن الفرد ومهاراته على نار الجهد والمشقة والحرمان والسهر، ليخرج أجمل ما في المتدرب من حيث التحمل والتسامي وحسن التصرف عند محنة البدن وتمثيل ظروف القتال المتغيرة، ولقد كان المرحوم من القلائل الذين يدركون القصد النهائي وهو لا يزال ثانيا من عنان مضائه وفي جعبته المزيد.
والغريب أن مثل هذه الأوقات الحرجة هي الأبقى دائما في الذهن والوجدان،  وهي الأكثر مما يشتد إليه الحنين وتهتبله الذكريات، رغم تطاول الزمن وتبدل الأحوال.
للمرحوم محمد خبرات متنوعة، تراوحت ما بين التدريب وقيادة الوحدات الميدانية وإدارة الأشخاص. وبعد فترة انقطاع لقيته منذ حوالي خمس سنين  وهو قائد لمركز تكوين الصاعقة بانبيكة بتكانت، وهي قيادة كبيرة جدا،  وقد أضحت لديه خبرة ثرية من الخدمة الأممية بدارفور، وإدارة مركز العمليات بقيادة الجيوش، فضلا عن متابعته  لدورات الأركان ومدرسة الحرب العليا بالسودان، كما أضاف اللغة الإنجليزية إلى رصيد لغاته، وهو ما كان يؤهله لأعلى الرتب والمراتب. 
كان محل تقدير في البيئة الاجتماعية لمحيط قيادته، بالنظر لانفتاحه وكرمه ومعرفته بالناس
 وكان من أهل الصف الأول في جماعة المسجد المجاور له.
 كان حصيفا ومبادرا وصاحب حدس، وسأسوق هنا حادثة كنت شاهدا عليها تدل على شيء من ذلك، في نوفمبر 2018، على ما أعتقد، كنت عائدا  من جهة قصر البركة شمال تامورت النعاج في حدود السادسة، وفجأة لاحظنا دراجتين ناريتين يستقلها شخصان يبدو من هيئتهما أنهما أوروبيان، وكانا يسألان بعض القرويين دون أن يفهمهما أحد.
لما حضرا إلي عرفت أنهما بولنديان  وقادمان من جهة شنقيط، وأنهما تركا ثلاثة من جماعتهم في مكان بعيد، وينقصهم الماء والبنزين essence.
كانا متوجسين منا، وحاولت تهدئة روعهما بإظهار معرفة بعض المعلومات المتداولة في الإعلام عن بلدهما، وطمأنتهما أننا سنتواصل مع حامية عسكرية قريبة.
اتصلت على المرحوم فوجدته في الطريق إلى انواكشوط، وحكيت له عن الموضوع، فطلب مني إحضارهما للثكنة وأنه سيتصرف.
دون كثير تفاصيل وصلنا قبل الغروب للثكنة بمدينة “انبيكه”، وتركنا مع ضابط المداومة أحدهما ويدعى “كوبا” ليعود ويدل على أصحابه عن طريق GPS، وذهبنا بزميله الآخر  معنا للمبيت بمنزل في المدينة. في الصباح الباكر عدنا ووجدنا الجماعة قد تم إحضارها وإسعافها، وقال لي الضابط الذي قاد التدخل إنهم وجدوهم آخر الليل وأحدهم في الرمق الأخير.
قال لي العقيد محمد بعد ذلك بأشهر إنه لما بلغ بالواقعة قيل له إن الأمر يدخل في صلاحيات الدرك وسيتم إخطارهم، غير أنه قدر أن لا أحد يمكنه ان يقوم بالتدخل الفعال غير حاميته، لذا واصل التحضير؛ فجهز سيارتين وماء وطعاما وبنزينا essence، وهو قليل في المدينة، وجهز طبيبا وضابطا يتكلم الإنجليزية لقيادة التدخل وصار ينتظر.
بعد ساعات كان الأمر كما توقع تماما فقد رجع التكليف له بالمهمة، فتم تنفيذ التدخل بشكل فوري وفعال.
وقد أمر بإيوائهم في نادي الضباط  بالثكنة حيث إمكانية الاستحمام والنوم والفطور الساخن، كما جهزهم بما يحتاجون.
هذا هو محمد القائد والإنسان والمسؤول.
لقد كتب هؤلاء البولنديون في أحد مواقعهم الإلكترونية عن الواقعة، ولكن بلغتهم، وأرسل لي أحدهم قبل فترة ذلك  النص مصحوبا بصور.
هكذا الحياة الإنسانية هشة، تطوى سريعا، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
ولكننا لا زلنا ننتظر منك يا محمد قدوما، وهو في الحقيقة عين الذهاب الأبدي!
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
 إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا محمد لمحزونون!

 ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *