أيُّ حصانة تحمي وزير التعليم العالي من الإقالة؟ / محمد الأمين ولد الفاظل

يتمتع صاحب الوزارة التي تحمل أطول اسم، أقصد وزير التعليم العالي، والبحث العلمي، وتقنيات الاتصال والإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة السيد سيدي ولد سالم  بحصانة يبدو أنها فريدة من نوعها، وربما تكون هي التي حمته من عدة إقالات كانت متوقعة، إن لم أقل عدة إقالات كانت مؤكدة.
(1)
ظهر من جديد اسم السيد سيدي ولد سالم في أول حكومة يشكلها فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من بعد تنصيبه، وقد أثار ظهور اسم السيد سيدي ولد سالم في تلك الحكومة استياء الكثير من طلاب التعليم العالي، ذلك أن تجربته في الوزارة خلال السنوات الخمس الأخيرة من حكم الرئيس السابق لم تترك لدى متابعي الشأن العام ولا لدى الطلاب أي ذكرى حسنة.
بعد أسبوع واحد من تشكيل أول حكومة في عهد الرئيس الحالي تم سحب النطق باسم الحكومة من وزير الثقافة ليمنح لوزير التعليم العالي، وبعد ذلك بيوم واحد،  وتحديدا في يوم 15 أغسطس 2019، وفي أول إطلالة له كناطق باسم الحكومة ارتكب الوزير خطأ فادحا عندما وصف الرئيس السابق بفخامة رئيس الجمهورية (هذا اللقب لا يمكن أن يمنح إلا لشخص واحد في الدولة)، وقد قال يومها بأن الحكومة الجديدة ما هي إلا امتداد واستمرار للحكومة السابقة، وقد أثار ذلك التصريح ارتباكا كبيرا في ذلك الوقت.
توقع كثيرون أن تتم إقالة الوزير خلال الأيام الأولى التي أعقبت ذلك التصريح، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، فأي حصانة حمت الوزير من الإقالة خلال تلك الأيام؟
(2)
عمل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على تهدئة الساحة وعلى التخفيف من حدة التجاذبات السياسية، وسارع ـ منذ وصوله إلى الحكم ـ إلى استقبال أبرز رموز المعارضة، وطمأنهم جميعا بأن عهدا جديدا من الانفتاح والتهدئة قد بدأ. موازاة مع ذلك ظل وزير التعليم العالي يعطي ـ وبشكل شبه يومي ـ صورا أخرى مناقضة تماما لتلك الصور التي كانت تأتي من رئاسة الجمهورية، وكان ذلك من خلال المعاملة القاسية التي يتعامل بها الوزير مع الطلاب المحتجين أمام الوزارة، فكان من النادر جدا أن يمر أسبوع واحد إلا وتناقلت وسائل الإعلام صورا لطلاب تعرضوا للتعذيب والتنكيل أمام مبنى وزارة التعليم العالمي.
كانت معاملة وزير التعليم العالي مع الطلاب تشوش بشكل كبير على مسار الانفتاح والتهدئة الذي أطلقه رئيس الجمهورية منذ الأيام الأولى من وصوله إلى الحكم، ولذلك فكان أغلب متابعي الشأن العام يتوقعون بأن السيد سيدي ولد سالم ستتم إقالته مع أول تعديل وزاري، وذلك لأن أسلوبه المتعجرف لا ينسجم مع هدوء المرحلة. ولكن الذي حصل كان عكس التوقعات تماما، فقد احتفظ وزير التعليم العالي بوزارته في الحكومة الجديدة التي تم تشكيلها برآسة المهندس محمد ولد بلال، فأي حصانة حمت الوزير من الإقالة خلال أول تعديل حكومي في العهد الجديد؟
(3)
في يوم الخميس الموافق 24 سبتمبر 2020 طالب الوزير الأول من خلال رسالة موقعة من طرف مدير ديوانه من وزير التعليم العالي “التعامل الإيجابي مع الأحكام القضائية النافذة والمؤصلة التي ترد قطاعه”. 
لم يستجب وزير التعليم العالي، والبحث العلمي، وتقنيات الاتصال والإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة السيد سيدي ولد سالم  لطلب الوزير الأول ، بل على العكس من ذلك فقد وصف أحد مستشاري وزير التعليم  طلب الوزير الأول بأنه كان متسرعا، ومخالفا للمألوف شكلا ومضمونا، وتشوبه نواقص مخلة!!
توقع كثيرون بأن رفض الوزير للانصياع لأحكام القضاء، ورفضه للاستجابة لطلب الوزير الأول المكلف بتنسيق العمل الحكومي سيؤدي إلى إقالته الفورية، ولكن ذلك لم يحصل، فأي حصانة حمت وزير التعليم العالي من الإقالة بعد رفضه لتنفيذ أحكام القضاء وطلبات الوزير الأول؟
(4)
أصبح وزير التعليم العالي يعرف لدى الجميع بتعامله السلبي مع أحكام القضاء، فقد رفض سابقا تطبيق قرار الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا القاضي بتمكين 91 طالبا من التسجيل في السنة الأولى من سلك المهندسين بالمدرسة العليا متعددة التقنيات، وهو القرار الذي أكدته المحكمة للمرة الثانية، ورفضه الوزير للمرة الثانية.
كما رفض الوزير أيضا تنفيذ قرار آخر للمحكمة العليا لصالح مجموعة من الموظفين حصلوا على شهادات إثر تكوين مرخص، وهو ما استدعى من مدير ديوان الوزير الأول أن يوجه رسالة بتعليمات من الوزير الأول إلى وزير التعليم العالي تطالب بالتعامل الإيجابي مع أحكام القضاء، وهو الشيء الذي رفضه الوزير المحصن ضد الإقالة.
الغريب في الأمر أن هذا  الوزير الذي رفض تنفيذ أحكام القضاء، هو نفسه الوزير الذي سارع إلى تقديم شكوى ضد أستاذ جامعي حاصل على جائزة شنقيط، وقد حُكِم على الأستاذ الجامعي بسنة نافذة من السجن. المستفز في الأمر أن هذا الأستاذ لديه حكم من القضاء يصر وزير التعليم العالي على تعطيله!!
(5)
إن الاحتفاظ بهذا الوزير سبب في الماضي ـ وما زال يسبب ـ كلفة باهظة للنظام الحالي والسابق، فلماذا تم الاحتفاظ بهذا الوزير على وزارة التعليم العالي منذ أغسطس 2014 وحتى اليوم؟ وأي حصانة حمت هذا الوزير من الإقالة خلال السنوات الست الماضية؟ 
المؤكد أن للاحتفاظ بهذا الوزير كلفة باهظة وباهظة جدا:
ـ فهو يستهتر بالقضاء في عهد يرفع شعار استقلالية القضاء
ـ وهو يتعامل بعجرفة مع طلاب التعليم العالي حتى أصبح يشكل كابوسا لأغلبهم
ـ وهو يرفض تنفيذ طلبات الوزير الأول المكلف بتنسيق العمل الحكومي
فإلى متى سيتمر النظام في دفع الفاتورة الثقيلة التي يكلفها الاحتفاظ بهذا الوزير؟ 
 حفظ الله موريتانيا..
محمد الأمين ولد الفاضل 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *