الخليل النحوي يكتب: نحو قراءة هادئة في تصريحات الرئيس


ما أثير من قول على قول رئيس الجمهورية في حديثه لبعض أفراد الجالية في إسبانيا حملني على البحث عن أوفى نسخة متاحة من أجل أن أسمع ما قيل، فلا أكتفي بما قيل عما قيل. وقد ظفرت بمقطع من نحو 6 دقائق يبدو أنه غير مكتمل، لكن فيه ما يكفي للنظر في مدى وجاهة مواجهة تلك التصريحات بالتشنيع والاستهجان.
ولعل باستطاعة أي كان أن يلتقط من هذا المقطع، كما التقطت، الرسائل التالية:
• أنجزنا أشياء (بتعبيره: شيء، وهي ألطف وأقرب إلى التواضع) لكنها غير كافية. ولو أنجزنا كل ما يتوقع لما كان كافيا.
• شعبنا محتاج، الدولة ليست غنية بل هي دولة فقيرة… [ومن دلائل ذلك] كثرة المتسولين، وأن هناك من لا يجدون ما يقتاتون به، وأن بعض المواطنين لا يجدون الماء [الكافي] ولا الكهرباء، وحتى في المدن فإن الكهرباء قد تنقطع.
• للدولة، مع ذلك، آفاق، بمعنى أنها يمكن أن تكون دولة غنية، وأنا أحب أن تكون غنية…
• حتى الدول الغنية لا تستطيع أن تتكفل لكل مواطن بكل شيء في كل مكان.
• لنكن واقعيين. لا ينبغي أن نقصر في العمل وإن كنا لا نستطيع أن نحقق إلا الممكن.
• من حقكم أن تنتقدوا إذا كان هناك نقص في الإرادة. ومن حقكم أن تنتقدوا إذا لم ينجز ما يمكن أن ينجز.
• على جالياتنا أن تتنظم وتتعاون وتتكافل كما هو شأن جاليات دول أخرى، ولها مع ذلك أن تطلب من الدولة، وعلى الدولة أن تستجيب بقدر الإمكان، وعلى الجاليات أن تتفهم إذا تعذر إنجاز بعض مطالبها.
هذه هي الرسائل التي تضمنها المقطع المذكور، فهل – يا ترى – جانف الرئيس الحقيقة في هذه التصريحات؟ هل قال منكرا من القول وزورا؟ ما الذي يثير الحفيظة في كلامه هذا؟
لنسلم – أولا – بأنه من حق أي مواطن، في أي مناسبة وبدون مناسبة، أن يبوح ببعض الهواجس المكنونة وغير المكنونة، أن يعبر عن تطلعات مشروعة، منصفة أو غير منصفة، أن يوجه لقادته نصائح أو انتقادات، أن يطرح أسئلة أو تساؤلات، فإن ذلك كله مما يتوقع ضرورة، وكثيرا ما يقع ولو بدون مناسبة. وأن يقع بمناسبة كلام لرئيس الجمهورية أيا كانت نسبة الاتساق بين الكلام والكلام على الكلام فهذا – من باب أولى – أمر طبيعي. وسيكون فيه، وإن تنكب بعضه أدب النصح المأثور، ما يستحق أن يسمع ويدرس ويحلل، ويوظف في عمل راشد. ولا عتب في ذلك على ناصح أمين مشفق، أحرى إذا كان منصفا. بيد أننا بحاجة إلى قراءة تلك التصريحات قراءة هادئة متزنة، تتلمس في السطور وفيما بينها وخلفها، ما يمكن أن يوري جذوة الأمل ويحفز على العمل، بدل الاقتصار على قراءة لا تعطينا غير النقد والتقريع والتبخيس.
لقد كان بإمكان الرئيس أن يقدم أرقاما ومعطيات تكشف جوانب من المنجز، في ظرف معلوم، وهذا من حقه، وهو أمر متعين ما بين الفينة والفينة في مناسبات رصد الحصيلة وتقييمها/ تقويمها. وكان بإمكانه أن يرسم صورا وردية عن الطاقات الكامنة والموارد المتاحة لتحقيق الرفاه المنشود الموعود، وذلك وارد أيضا، وله مواقيت ومواعيد. لكن الرئيس آثر أن ينظر إلى “الجانب الفارغ من الكأس”، وهو يخاطب مواطنين يعيشون في بلد غني، ويفترض أن جلهم منتجون ليذكرهم بواقع أولئك الذين خلفوهم وراءهم. آثر أن يقول “الحق المر”، بصراحة وتواضع وبعيدا عن لغة التباهي والادعاء التي كثيرا ما يلجأ إليها القادة وهم يخاطبون شعوبهم. ولعل مما دعاه إلى المكاشفة المرة أنه كان يتحدث في سياق ثقافة سائدة تجعلنا نضع أنفسنا خارج مفهوم الدولة عندما تحتاج إلى جهدنا، وفي قلب الدولة عندما نحتاج إليها، وتجعلنا والحال هذه ننتظر من الدولة كل شيء، ثم نختزلها في شخص أو أشخاص، ثم نستعجل هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص في إنجاز الممكن، وهذا وارد، لكننا نستعجلهم أحيانا في إنجاز غير الممكن. وتلك ثقافة سائدة تحتاج إلى مراجعة، تماما كما نحتاج إلى مراجعة خطابنا السياسي الراهن المحصور غالبا بين ثنائيتين حديتين: التقريظ والإطراء في غياب النصح، والتقريع والازدراء في غياب الإنصاف.
أعتقد أن المكاشفة في هذا السياق بالحق المر ينبغي أن تحسب للرئيس، لا عليه، باعتبارها ملمحا من ملامح المسحة الأخلاقية لمساره السياسي، وينبغي أن تقرأ، في سياق التطلعات المشروعة، قراءة إيجابية، وذلك على الأقل من زاويتين، إحداهما حاجتنا الماسة إلى المواءمة بين فضيلة الصدق والمكاشفة وبين تدبير الشأن العام، والأخرى ضرورة الوعي بالواقع من أجل تغييره.
يتيح لنا النظر من الزاوية الأولى فرصة إعادة طرح مسألة العلاقة بين السياسة والأخلاق، بينما يتيح النظر من الزاوية الثانية استذكار العلاقة بين الألم والأمل والعمل.
أولا – في العلاقة بين السياسة والأخلاق:
هناك في الفكر وفي الممارسة مدرستان: إحداهما ترى السياسة والأخلاق خطين متوازيين لا يلتقيان، أو ضرتين متشاكستين لا تصطلحان. كان ميكيافيللي من أقطاب هذه المدرسة بتسويغه الانفصام بين شرف الغاية وشرف الوسيلة، وكان منهم نيتشه بدعواه أنَّ السّياسة لا علاقة لها بالأخلاق، وأن “الحاكم المقيَّد بالأخلاق سياسيّ فاشل”، وأن “الأخلاق سلاح الضّعفاء”!!! وبالرغم من أن الثورة الفرنسية أدركت في بواكير عهدها أهمية الربط بين السياسة والأخلاق فأنشأت قسم العلوم الأخلاقية والسياسية في “معهد فرنسا” (l’Institut de France) الذي حل محل الأكاديميات الفرنسية ثم صار مظلة لها من بعد، فإن نابليون سرعان ما ضاق ذرعا بما يقدم من محاضرات في قسم “السياسة والأخلاق” ذلك، فقرر عام 1803 إغلاق هذا القسم واتهم المنظرين بأنهم “أناس غارقون في الأفكار ويُعربدون بالمنطق والعقل لدرجة تجعلهم غير قادرين على فهم حقائق الحياة والتاريخ”، وذهب إلى حد القول “إن من يجيدون الكتابة ويتمتعون بالفصاحة ليس لديهم القدرة الحاسمة على الفصل في الأمور”. لكن الأمور عادت إلى نصابها بعد نحو 30 سنة بإعادة فتح القسم بل وبجعله أكاديمية مستقلة (L’Académie des sciences morales et politiques)، ولا يعني ذلك ضرورة أن فرنسا تخلت يومذاك أو بعده عن الفصل بين السياسة والأخلاق، كما تخلت عن الربط بين الدين والسياسة. بل إن مدرسة الفصل بين السياسة والأخلاق لم تفتأ تحقق المزيد من “المكاسب” في واقع الممارسة السياسية في كثير من دول العالم. ولئن كانت للفصل بين السياسة والأخلاق عبر تاريخ الأنظمة السياسية تجليات كارثية متعددة الأشكال، وصلت إلى حد الغزو والاجتياح والعدوان والقتل الجماعي وإشعال حروب طاحنة هي في جانب منها على الأقل حروب غير أخلاقية، فإن التجلي اليومي الأهم للفصام بين السياسة والأخلاق كان وما زال استمراء الكذب على الشعوب والكذب على الآخرين، بل والكذب على النفس، إلى حد ساد فيه الانطباع بالاقتران بين الكذب وبين الممارسة السياسية، كما يشير إلى ذلك عنوان كتاب Why Leaders Lie (لماذا يكذب القادة والزعماء) للسياسي والأستاذ الجامعي الآمريكي جون ميرشايمر. ينطلق الكتاب من فرضية اقتران القيادة السياسية بالكذب خصوصا في حقل العلاقات الدولية، وبالرغم من أنه يتلمس معاذير لبعض ذلك الكذب، مما يمكن أن نجد له نحن سندا في ما هو معلوم في ثقافتنا وفي الثقافة البشرية كلها، من أن “الحرب خدعة”، وأن التورية فيها لا تدخل في المحظور، فإنه ينبه إلى ما قد ينجم عن ذلك الكذب من مخاطر كبيرة.
وقد وضعت صحيفة “واشنطن بوست” قاعدة بيانات رصدت بها ما اعتبرته أكاذيب لأحد رؤساء الولايات المتحدة الآمريكية، وذهبت إلى حد القول إنها رصدت لأحدهم أكثر من 30 ألف كذبة رئاسية في سنوات قلائل!
في أحسن الأحوال، يرى أصحاب تلك المدرسة أن الكذب يعطي السياسي فرصة لمغالطة خصومه، ومغالبتهم، وربما لخداع شعبه وتخديره، وإن بدعوى إعطاء جرعة أمل.
بالمقابل، هناك مدرسة في الفكر – لها تطبيقاتها في الممارسة – وكنا أحق بها وأهلها، هي تلك المدرسة التي ترى أن السياسة والأخلاق صنوان، يشد كل منهما عضد الآخر، فالسياسة بلا أخلاق بناء على جرف هار. إنها مدرسة “قل الحق ولو على نفسك”. ولئن تعين ذلك في حق الناس كافة فإنه آكد بطبيعة الحال في حق القادة. وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى اللـه عليه وسلم تحدث عن “ثلاثةٌ لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم”، منهم “ملكٌ كذّاب”. وبعد اختتام النبوة، ومبايعة أول خليفة للمسلمين، أدرك الصديق ضرورة الصدق لممارسة الحكم، فقال في خطبة التولية: “إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ ضَعُفْتُ فَقَوِّمُونِي، وَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، ‌الصِّدْقُ ‌أَمَانَةٌ، ‌وَالْكَذِبُ ‌خِيَانَةٌ…”. ومن بعده، قال عمر الفاروق: ” لِأَن يضرني الصدْق – وَقلمَا يفعل – أحب إِلَيّ من أَن يَنْفَعنِي الْكَذِب، وَقلمَا يفعل”. وقد أكد فقهاء الأحكام السلطانية في تاريخنا ضرورة الصدق في تدبير أمر الناس. وفي ذلك يقول الماوردي: “وَمِمَّا هُوَ ألزم فِي أَخْلَاق الْملك وأليق اعْتِمَاد الصدْق وَاجْتنَاب الْكَذِب فَإِنَّهُ سهل البادرة خَبِيث الْعَاقِبَة لِأَنَّهُ يعكس الْأُمُور إِلَى أضدادها ويستبدل الْحَقَائِق بأغيارها فَيَضَع الْبَاطِل مَوضِع الْحق ويتخيل أَن الْكَذِب يتشبه بِالصّدق…كلا فَإِن الزَّمَان يكْشف عَن خباياه وينم على خفاياه”.
ولقد كان لهذه المدرسة أنصارها في الفكر الغربي والإنساني عامة، ففيها كتب أفلاطون عن جمهوريته، وكتب أرسطو عن السياسة فعدها فرعا عن الأخلاق، وأكد أنّ وظيفة الدّولة الأساسيّة هي نشر الفضيلة ، ودعا الفيلسوف الألماني “كانت” إلى تغليب الأخلاق في العمل السّياسي، وإلى أن تعامل السّياسة الإنسان بوصفه غاية في ذاته، ونحا جان جاك روسو بعض ذلك النحو.
ومن المؤسف أن هذه المدرسة، بالرغم من أصالتها في ديننا، وموروثنا التاريخي، لم تتأصل كثيرا في ثقافتنا السياسية الحديثة، فقد شاع عندنا النظر إلى السياسة بحسبانها رديفا لـ”ابلتيك” كما عرفها الناس وفهموها تحت الإدارة الفرنسية؛ فكانت تعني بالنسبة لهم الكذب والمراوغة والكيد والنفاق. ويبدو أننا نحتاج إلى جهد كبير من أجل تحرير السياسة من حالة المصادرة والاختطاف تلك، حتى نعيدها إلى حضن الأخلاق. وبيد القادة من ذلك ما ليس بيد سائر الأفراد لأن صلاحهم (أي القادة) هو أسرع الطرق وأخصرها لصلاح الناس، فإن اللـه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
لقد طرحتْ الإشكالية عندنا غير ما مرة من قبل. وكان صدق الرئيس الراحل سيدي محمد بن الشيخ عبد اللـه في بعض أحاديثه عن الواقع سببا للاستغراب والاستهجان، كما هو شأن حديث الرئيس محمد بن الشيخ الغزواني هذه الأيام. وحين قيل للرئيس الراحل إنه لا بد من شيء من الفصل بين السياسة والأخلاق، قال إنه لن يمارس سياسة بلا أخلاق، وإنه إذا تعين عليه الاختيار بين السياسة والأخلاق فسيختار الأخلاق بدون تردد، وقد فعل. وكان – رحمه اللـه – رئيسا ضيعه قومه واستعجلوا منه من العمل ما لم يعطوه مهلته، ولم يعينوه عليها بما فيه الكفاية. وتلك تجارب ينبغي أن نتعلم منها في مسارنا الراهن وفي مساراتنا الآتية.
ومن مقتضيات استثمارها أن نعتبر مكاشفة الرئيس الغزواني وصدقه مع الناس لبنة في بناء ثقافة سياسية جديدة وألا ننقم عليه في ذلك ما نقمه بعضنا على الرئيس السابق. صحيح أن الشعوب تحتاج إلى غراسة الأمل، لكنها في كل الأحوال لا تساس بالكذب، ولا أخطر على قائد ولا على شعب من دفن الرؤوس في الرمال، ولو كانت رمال وطننا الناعمة.
ثانيا – في العلاقة بين الألم والأمل والعمل:
ليس الحديث عن فقر الشعب الموريتاني كل الحقيقة، لكنه بالتأكيد جزء أساسي من الحقيقة… جزء لا يناكف فيه أحد. وحين يتحدث الرئيس عن هذا الجزء من الحقيقة، بقدر من التركيز، فإنه يكشف عن وعي ضروري بواقع مر لا يمكن تغييره بتجاهله، أو التعتيم عليه. بل إن الحديث بتلك الدرجة من التركيز وتنويع الأمثلة ينم عن ألم مُمِضٍّ، سبق للرئيس الغزواني أن عبر عنه غيرما مرة بشكواه من وقوع فئات واسعة من الشعب تحت وطأة الغبن والتهميش والإقصاء، كما عبر عنه برفع عقيرته ضد عقليات الاستعلاء، وبتدابير، قد لا تكون كافية، لكنها خطوات على طريق تغيير الواقع.
إن مما ينعش الأمل ألا تحجب الرئيسَ جدرانُ القصر الرمادي عن ذلك الإحساس، فكثيرا ما يقع القادة ضحايا المطرين من المداحين، فيحسبوا أنهم أنجزوا كل شيء، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان. وكثيرا ما ينسى القادة أوضاع شعبهم، لتطل سيدة منعمة من خلف أسوار القصر فتتساءل وهي ترى الناس يشكون من الجوع والفقر: لماذا لا يأكلون الكعك؟ كما فعلت ذات يوم ماري إنطوانيت زوج الملك الفرنسي لويس السادس عشر.
أعتقد أن شعور الرئيس بالألم من أوضاع الشعب هو شعور يبعث على الطمأنينة أكثر مما يبعث على القلق، ذلك أنه يفتح أبواب أمل عريضة، فالإحساس بالألم يحمل ضرورةً على البحث الجاد عن العلاج، والأمل يحمل على العمل. وحده الإنسان المخدر لا يشعر بحاجته إلى قرص الدواء.
وهنا يكون من حقنا جميعا أن ننتظر من الرئيس الذي انتخبناه، والذي كشف عن وعي عميق بالواقع المر، مزيدا من العمل الحاد لمعالجة هذا الواقع والحد من مفارقاته الموجعة:
مزيدا من العمل من أجل تقليص الفوارق، وتحسين توزيع الثروة…
مزيدا من حسن التدبير للموارد المتاحة، ومزيدا من حسن التسيير ومكافحة الغلول…
مزيدا من الإصغاء للناصحين الأمناء ومشاورة أهل الذكر…
مزيدا من البحث عن الأعوان من الأقوياء الأمناء {إن خير من استأجرت القوي الأمين}…
وهنا أيضا، وبالمقابل، يكون من حق الرئيس علينا ألا نقول له حين يكاشفنا ويصارحنا بالحق المر مقالة الأعرابي للأخفش: “إنكم تتكلمون بكلامنا عن كلامنا بكلام ليس من كلامنا”. ويكون من حقه علينا أن نؤازره حق المؤازرة في كل سعي صالح، وألا نقول له {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} أو نقول له: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.