التعليم في موريتانيا .. مظاهر الأزمة وأسس الإصلاح / محمدن ولد الرباني

توطئة:
      لا يكاد يختلف اثنان من المهتمين بالتعليم، في أن منظومتنا التربوية تعيش حالة إفلاس مزمنة وعميقة، تشهد بذلك دلائل لا تقبل الطعن ولا التجريح، من أهمها:
ضعف نسبة النجاح في الامتحانات الوطنية، سواء تعلق الأمر بختم الدروس الابتدائية، أو الإعدادية، أو الثانوية، فكلها نتائج مخيبة للآمال مقارنة مع الدول المجاورة، فضلا عن غيرها، ومنذ أكثر من عشر سنوات لم تتجاوز نسبة النجاح في الباكالوريا بدورتيها نسبة 18%، وتتفاوت الشعب في ذلك، وتكاد شعبة الآداب العصرية تسجل نسبة صفرية.
ضعف المستوى العلمي لمخرجات هذه المنظومة، فلا تكاد تجد طالبا في المستوى الجامعي -فضلا عما قبله- يجيد الحديث والكتابة باللغة التي يدرس بها دون أخطاء.
التقارير الدولية فقد أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي مؤشر التعليم والتدريب الذي يتضمن ترتيب 137 دولة حول العالم، حلت فيه موريتانيا في الرقم الأخير بحصولها على درجة إجمالية متوسطة بلغت 1.9.
مظاهر الأزمة
     هذه الوضعية نتاج طبيعي لسياسات الأنظمة المتعاقبة طيلة الأربعين سنة الماضية، وهي سياسات اتسمت بمجموعة من السمات ترتبت على كل واحدو منها جملة من الاختلالات، وسنستعرض أهم هذه السمات وأهم إفرازاتها:
الارتجال: فالإصلاح التربوي غالبا ما يقرر بطريقة قصرية، فلا يخضع للدراسة الموضوعية ولا تتخذ له الإجراءات المصاحبة اللازمة، ولو أخذنا آخر إصلاح سنة 1999 أنموذجا لوجدنا أنه نفذ في بيئة لا تستجيب لشيء من متطلباته. فكان من أهم العوامل التي أدت إلى تقهقر التعليم، حيث تفاقمت معاناة التلميذ في محاولة الاستيعاب، حين لم يجد المعلمين والأساتذة الأكفاء –نظرا لتكونهم بلغة لم تعد لغة التدريس- كما اجتمعت عليه صعوبة تفكيك اللغة إلى صعوبة استيعاب المادة العلمية (رياضيات – فيزياء – كيمياء – علوم طبيعية) وهكذا أدت هذه الارتجالية إلى غياب سياسة تربوية، وإلى عدم تحديد غايات ومرامي التعليم، وعدم الاستفادة من المحافل العامة والأيام التشاورية والبحوث والدراسات، مما جعلها مجرد تبديد للمال العام دون جدوى، كما حدث في المنتديات العامة حول التعليم المنظمة سنة 2013.
اتخاذ التعليم ورقة سياسية: فبدلا من أن تكون الإصلاحات استجابة لحاجات تربوية مشخصة ومخططة، جاءت غالبا استجابة لضغط داخلي، أو ارتهانا لضغط خارجي، ولو أخذنا إصلاح 1979 أنموذجا للمسنا فيه بوضوح الارتهان لتناقضات إشكال الهوية الوطنية مما أنتج جيلين متمايزين في الثقافة يعيشان في دولة واحدة، وجاء إصلاح 1999 في إطار تجفيف منابع الهوية، والسباحة في فلك القوى الدولية المهيمنة.
ضعف الإنفاق: رغم كثرة الإصلاحات فإن أيا منها لم يرفع شعار ضرورة الإنفاق على التعليم، إنفاقا يكافئ المأمول منه، وظلت ميزانيات التعليم لا تتجاوز في أغلب الأحوال حوالي 12% من الميزانية العامة للدولة، وهو ما لا يسمح بإنجازات حقيقية في القطاع. يضاف إلى ذلك عجز دبلوماسي كبير عن استجلاب استثمارات نوعية في مجال التعليم، من قبيل بناء الجامعات مثلا. ومما نتج عن هذا التقتير:
ضعف الرواتب والمحفزات التي تجعل المدرس يعطي عطاء متميزا، ويجعل البيئة التعليمية بيئة مستقطبة للعقول والمواهب، فأدى غياب المحفزات إلى الضعف الشديد في دخل المدرس، وهو ما أدى إلى نفور الطاقات من الالتحاق بالحقل، واشتغال الطاقات داخله بأنشطة مدرة للدخل، على حساب العملية التربوية، مما نجم عنه عطاء هزيل.
محدودية الاستيعاب المناسب في جميع مراحل التعليم، فاستمر الاكتظاظ في الأقسام، واعتمدت المدارس الدمج والتفويج أو التناوب في التعليم الأساسي، أما التعليم العالي فمهما قيل عن ضعف المستويات، ومهما قيل عن التسرب، وعن قلة نسبة الناجحين في البكالوريا، فإنه غير قادر على استيعاب هذه النسبة الضئيلة من الناجحين، مما جعل الإدارة مسرورة بهذه النتائج الهزيلة سرور الفقير المملق بموت بعض عياله الذين لا يجد لهم مأوى ولا نفقة!
   هذا الضعف في القدرة الاستيعابية للتعليم العالي، يفسر كثيرا من العوامل التي تؤدي إلى خفض نسبة النجاح في البكالوريا ، كاشتراط سن معينة، أو معدل معين في السماح بالإعادة أو في صعوبة الأسئلة. 
      إن انعدام الاستيعاب المناسب في التعليم العام، هو ما أدى بكل من له طاقة إلى أن يسجل بنيه في التعليم الخاص، رغم أنه لا يتمتع عموما بالاستيعاب المناسب، إلا أنه يظل أكثر ملاءمة في نظر العامة من التعليم العمومي، والحقيقة أنه بصورته الحالية جزء من المشكلة لا الحل، وتغاضي الدولة عن تجاوزاته الكثيرة من الأخطاء الشنيعة.
الفساد الإداري والمالي: فقد ظل التعليم من أقل قطاعات الدولة حظا من الحكامة الرشيدة وهو ما نجم عنه:
معاناة المشاريع ذات المدى المتوسط والبعيد من تسيير سيئ، وهكذا فإن كثيرا من المؤسسات التي بنيت من قبل مشاريع التهذيب، لم تصمد طويلا، وهو ما جعل تحدي البنى التحتية، ما يزال قائما، رغم مرور نحو 20 سنة على انطلاق الخطة العشرية الأولى سنة 2001.
إفساد الخريطة المدرسية، وتجاوز الأسس الموضوعية التي تبنى عليها، فاعتمد فتح المؤسسات على معايير سياسية انتخابية لا علاقة لها بالمعايير الفنية للخريطة المدرسية. 
تسييب آلاف الأساتذة والمعلمين المفرغين، وشبه المفرغين.
دوس معايير الترقية والتحويلات لمعايير موضوعية مقنعة، وغيب العقوبة والمكافأة فقد يتغيب الموظف أشهرا دون عقاب، ومهما بذل من تضحية يبقى على الهامش بلا ترقية ولا تشجيع. 
إسناد الوظائف العليا على أساس الوساطة لا الكفاءة مما عمق الزهد في مواصلة الدراسة من جهة، وفي تحسين الأداء من جهة أخرى.
اكتتب موظفين لا تدعم شهاداتهم الأكاديمية المواد التي اكتتبوا لتدريسها، كاكتتاب حملة الشهادات في القانون أساتذة للغة العربية أو التربية الإسلامية، وكاكتتاب أساتذة الاقتصاد أساتذة للعلوم أو الرياضيات أو الفيزياء.
إلزام أساتذة أي مادة علمية بتدريس سائر المواد العلمية، وإلزام أساتذة أي مادة من العلوم الإنسانية بتدريس سائر المواد الإنسانية.
اكتتاب آلاف العقدويين الذين لا يتمتع كثير منهم بخبرة تربوية ولا تميز علمي.
اختلال التوجهات: فمنذ أكثر من 30 سنة يشهد التعليم تركيزا على الشعب العلمية، أخل كثيرا بالعملية التربوية وهو ما نجم عنه تقسيم التلاميذ في الأجيال المتعاقبة إلى ثلاث مجموعات: 
مجموعة الممتازين المتفوقين وتوجه عادة من قبل مجالس التوجيه إلى شعبة الرياضيات إلا في حالة طلب خاص من الوكيل. وهؤلاء هم العباقرة والمتفوقين، وعادة ما يتوجهون إلى التخصصات الهندسية، والتدريس أو العمل في الدول التي درسوا فيها، ومن النادر أن يلتحقوا بوظائف التعليم.
مجموعة المتوسطين وأصحاب الحيلة في الانصراف عن شعبة الآداب، ومن كتب له النجاح بمستوى حسن أو أرفع غالبا ما يدرس في الطب أو بعض التخصصات الهندسية، ومن لم يكتب له النجاح أو نجح بمستوى ضعيف، ربما عرف طريقه إلى وظائف التعليم.
مجموعة الضعفاء توجه إلى شعبة الآداب، ولأنهم أقل التلاميذ قدرة على الاستيعاب وقابلية للتعليم واهتماما به، فقد ترتب على هذا الوضع أن الوظائف التي تهيئ لها هذه الشعبة عادة لا تولج من قبل الأكفاء، ويدخل في هذه الوظائف المعلمون وأساتذة اللغات والعلوم الإنسانية كالتاريخ والفلسفة وفي حكم ذلك التربية الإسلامية، ولولا المتميزون من خريجي المحاضر ومعاهد ومراكز التعليم الأصلي الذين كسروا القاعدة في حالات كثيرة، لكان الوضع أشد سوءا وكارثية.
    رغم أن التوجه العام للتعليم توجه علمي، فإن بلادنا لم تعرف لحد الساعة البحث العلمي رغم المصادقة على القانون رقم 043- 2010 الذي يمنح البحث العلمي اعتبارا خاصا، وذلك نظرا لضعف التمويل والمخصصات، وغياب استراتيجية وطنية للبحث العلمي، وغياب التنسيق بين ما هو قائم من مؤسسات بحثية.
أسس الإصلاح 
         رغم ما قيل ويمكن أن يقال في تعليمنا، فإن إصلاحه ليس مستحيلا، إن توفر الإرادة السياسية الجادة مستنيرة بالمنطلقات وآليات التالية:
أولا-  المنطلقات:
إطلاق حملات تحسيسية حول وضع التعليم وضرورة إصلاحه، لخلق رأي عام حول القضية، ثم تحصيل إجماع وطني، عبر منتديات يتشاور فيها كل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والتربويين بصدق، ولا بد من تجاوز ما بذره المستعمر من صراع الهوية بين مكونات الشعب بحيث لا تمتطى لإقصاء الآخر.
ترسيخ مختلف أبعاد مكونات الهوية الوطنية، بما يشعر كل مواطن بأن المنظومة التربوية تخدم خصوصيته الحضارية، فلا يقبل أن يظل التعليم وسيلة لضرب بعض المكونات ببعض، ولا ساحة للتجاذب السياسي.
ربط التعليم باللغة الرسمية للمجتمع، فقد أثبتت التجربة أن الأنظمة التعليمية الناجحة ترتكز على اللغة الأم لأغلب المواطنين، ولا يعني هذا بحال من الأحوال الانغلاق ولا رفض الاستفادة من اللغات العالمية.
تحقيق التوازن بين العلوم الإنسانية التي تصنع الإنسان، والعلمية التي تصنع وسائل إسعاده
تحقيق تعليم ينمي الاعتزاز بالهوية العربية الإسلامية الإفريقية، وثقافة المواطنة واحترام حقوق الإنسان 
تحقيق تعليم ذا جودة عالية قادر على المنافسة.
تحقيق تعليم يخلق مواطنين متجانسين، يتحدثون نفس اللغة، ويحملون نفس الثقافة، وتتكافأ أماهم الفرص.
ثانيا- الآليات
تحديد الأهداف، ورسم استراتيجية، يسند تنفيذها إلى الأكفاء المؤتمنين بغض النظر عن مواقفهم السياسية..
إعادة تأهيل من يحتاج التأهيل من المدرسين، وتوجيه ذوي النواقص إلى أعمال إدارية غير التدريس.
رفع مستوى الاكتتاب وتقليص الفوارق المادية والمعنوية ما بين مدرسي مراحل التعليم المختلفة.
تطوير التكوينين الأولي والمستمر.
منح المدرس راتبا يمكنه من أداء واجبه، ويعيد للتعليم قدرته على استقطاب العباقرة واحترام المجتمع.
القضاء على ما يمكن تسميته التمدرس الانتخابي، واحترام معايير الخارطة المدرسية
منح الأولوية للمناطق ذات السكان الأقل حظا من التعليم والأكثر حاجة إليه.
دعم البحث العلمي منذ المرحلة الثانوية.
تفعيل مبدأ العقوبة والمكافأة، واحترام المعايير الفنية والموضوعية للترقيات والتحويلات.
فرض الزي المدرسي الموحد بغية تحييد الفجوة بين التلاميذ في المدرسة. 
ضبط القطاع الخاص وتشجيعه والدفع به للإسهام في المجهود الوطني.
تقريب التأطير التربوي من المدرسين في جميع المراحل. 
     تلكم أبرز مظاهر أزمة التعليم في موريتانيا، وأهم أسس إصلاحه، هذا التعليم الذي إذا صلح صلحت الأمة، وتمكنت من ناصية التنمية والازدهار، فعاش أفرادها في وئام ورغد، وكان الثروة المتجددة التي لا تنضب، وإذا فسد فسدت الأمة، وعاش أفرادها في ضيق ونكد، وعاشت على هامش التاريخ، فقيرة مهما امتلكت من الموارد الأولية، ضعيفة مهما امتلكت من مؤهلات القوة، فلا غرابة أن نجد أكثر البلدان تقدما هي الأكثر إنفاقا على التعليم كالولايات المتحدة التي تنفق حوالي 27% من مجموع الإنفاق العالمي على التعليم.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *