لحظة رحيل آخر إنقلابي / محمد فاضل الهادي

لم أكن أتصور أن نجاح محمد ولد الشيخ الغزواني سيكون له كبير أثر على الحياة السياسية في هذا البلد المنكوب بجراح الإنقلابات العسكرية الدموية و البيضاء.

لكنني استشعرت من خلال قراءة سيرته الذاتية و من خلال تنصيبه، رغم أنه ذا خلفية عسكرية، أنه بداية نظام حكم مدني قد يبدأ تشكله في قادم الأعوام و قد يؤول الحكم من بعده لرئيس مدني منتخب يتسلم السلطة من رئيس غير مدني لكنه منتخب.

بالفعل اللحظة كانت لحظة رحيل آخر انقلابي عرفته موريتانيا منذ العام 1978 إلى اليوم، و هي بالفعل لحظة نصر لنا نحن مناهضي الانقلابات و الأحكام العسكرية الاستثنائية او الملبسة بلباس مدني.

صحيح أنه قد شابت الانتخابات شوائب عدة و صحيح أيضا أن الداخل حدثت فيه تجاوزات كبيرة لكن أصحاب هذه الحجج و إن كنت من صفهم إلا أنه أبانوا عن ضعف حجتهم و عن قدم قدرتهم على ضبط أدلتهم التي قدموها للهيئات المختصة، و أبانوا أيضا بشكل أكبر وضوحا عن عدم انسجام داخل نسيجهم الذي ما كاد يتعرض لأول هزة حتى تفرقوا شيعا منهم من يغالي و يطالب بإلغاء الانتخابت و منهم من يمد يد الحوار و يطالب بالتسليم للأمر الواقع على حسب فرضيتهم.

لكن الانتخابات ككرة القدم، إما أن تفوز أو أن تخسر، و لابد في النهاية من خاسر و فائز و لا يمكن أن يكون فيها فائزان إلا في أمور معنوية يمكن أن يكون من ضمنها في مجال الانتخابات تقديم الأوليات على الأمور الشخصية و تقديم المصلحة العليا على المصالح الضيقة، و هو بالفعل ما نجحت فيه كافة الأطياف السياسية و كافة التشكيلات التي شاركت في هذه الانتخابات و هو ما يحسب للنخب السياسية على أنه تفضيل لأمن و الاستقرار و التناوب السلمي على السلطة و كذلك هو بحد ذاته نجاح لكل الطيف السياسي بغض النظر عن المواقف و الرؤى المختلفة حول الانتخابات.

لقد رحل الإنقلابي الأخير أي بمعنى الرجل الذي قدم نفسه ذات يوم كرئيس منقلب على رئيس كان يحكم البلاد بحكم انتخابات رئاسية شهد لها الجميع بالشفافية.

لقد رحل محمد ولد عبد العزيز العقيد السابق و صاحب فكرة إنقلابي 2005 و 2008، رحل عن السلطة بعدما أن أدى جزءا مهما من واجبه كرئيس غير شرعي بطبيعة الحال، لو اعتمدنا مبدأ أنه ما بني على باطل فهو باطل، و لكنه أيضا في هذه الفترة غير الكثير من المفاهيم و ساهم مساهمة لا بأس بها في تحسين الحياة العامة و نظرة المواطن و الموظف إلى المال العام. رغم ما يقال و يشاع عنه من فساد و من محاباة لبعض مقربيه.

لكن رحيل ولد عبد العزيز ليس إلا بداية لمرحلة جديدة قد يكون فيها صاحبه محمد ولد الغزواني أمام عدة اختبارات قوية و مؤثرة، من أهمها، طبيعة حكومته و طبيعة معاونين و معايير و أسس اختياره لهم.

فإذا كان ولد الغزواني صديقا لعزيز فهو الآن كما قال، رئيسا لكل الموريتانيين و هو ما يجعله أمام اختبار قوي يجب ان يثبت من خلاله أنه يريد نظاما تشاركيا لا نظاما أحاديا كما فعل صديقه، و قد قال ذات مرة أنه مغاير له و مغاير لأفكاره و لطريقة تسييره.

تربية الرجل سيكون لها تأثير عليه و على قراراته لكنه لن يكون ضعيفا بسبب تلك التربية التي تعتمد على حسن الظن، لان تكوينه العسكري سيساعده على فهم الواقع و تبني خيارات إيجابية و صارمة و سيساهم تكوينه الأكاديمي في فهمه للإستراتيجيات و أهميتها و كذلك للسياسات القطاعية و هو ما يعني أننا سنكون أمام رئيس يجمع بين الفهم العسكري و و القدرة على استيعاب السياسات العامة للدولة و كذلك الوعي التام بمخاطر سوء التسيير و سوء التدبير.

لقد كنا نعتمد في مقاربتنا كمثقفين واعين لمخاطر الأحكام العسكرية الصرفة أن نتعامل دائما مع كل مرشح ذي خلفية عسكرية بالندية و الخصومة السياسية، لكننا كنا دائما نحترم إرادة الشعب و قراره القاضي بإختيار من يشاء لحكم البلاد، و عند اتخاذ ذلك القرار عبر صناديق الإقتراع فإننا نتعامل مع من اختاره الشعب على أنه رئيس ملزم لنا في القول و الفعل و نعمل بشرف تحت إمرته إن هو أمرنا، و نعي بمسؤولية ما يترتب على استقرار البلد في هذا الصدد و ما يترتب كذلك على استمرارية السلط و ضمان مواصلة البناء بالوتيرة التي توفرها قدرات الرئيس و مستوى وعيه و فهمه بأهمية مواصلة البناء.

إذا هذه مرحلة جديدة من تاريخ البلد و هذا رئيس جديد منتخب، و هذه بداية عهد جديد تكون فيها موريتانيا محكومة من طرف رجل من أبناءها الذين نتوسم فيهم أنهم على بصيرة و دراية بما يحاك ضد الشعب و البلد و لما يعترضه من مخاطر داخلية كالأوبئة و سوء تسيير قطاعات الخدمات الأساسية و سوء الحاكمة و تبذير المال العام، و مخاطر خارجية تتمثل في الأطماع الخارجية و كذلك في الخصومات التاريخية و المخاطر المتعلقة بالاصطفاف ضمن الصراعات الدولية.

فإن استطاع ولد الغزواني أن يجنب موريتانيا التصنيف لصالح طرف ضد طرف آخر حسب ما تمليه مصلحة موريتانيا طبعا، فذلك أفضل و إلا فسيكون لزاما عليه أن يبحث لموريتانيا عن موقع يحمي من خلاله مصالحها و يضمن من خلاله بقاءها آمنة مستقرة بعيدة عن الخلافات و الصراعات و التخندق في المكان الخطأ.

رحل إذا آخر انقلابي عرفته موريتانيا و بقي الشعب تواقا إلى الحرية و الاستقرار و إلى حكم مدني صرف سيكون إن شاء الله بداية خير و بركة على البلد و شعبه العظيم.

فليحفظ ربي من اختار الشعب و ليحفظ الشعب و أرضه من كل سوء.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *