أبطال هذه القصة أحياء يرزقون ولأن بعض تفاصيلها سيكون بمثابة تصريح بالأسماء فإني سأضطر للتلاعب ببعض التفاصيل دون المساس بمتن القصة لأسباب ستتضح من القصة نفسها .
لي قريب كان يعمل خارج البلاد وكانت إجازته السنوية تصادف في الغالب فترة أواخر الشتاء .
وكان في كل إجازة يستعير سيارة رباعية الدفع من قريب آخر (رجل أعمال معروف) ليقضي عليها إجازته .
في إحدى تلك الإجازات ، وفي طريقه إلى الداخل ، تعطلت السيارة في منطقة “شمامة” وكان في معيته ثلاث نساء . وكانت حركة السير هادئة للغاية بعد ظهر ذلك اليوم وكان الطقس ساعتها حارا .
على مد البصر خيل إليه أنه رأى عريشا وتقدم نحوه بهدوء (السيارة يمكن أن تتحرك لكن بطريقة بطيئة وحذرة ).
كان في العريش امرأة وشيخ مصاب بشلل نصفي ، وأربعة أطفال عراة تماما وفي يد كل واحد منهم قشرة من شجرة ويطوفون بالعريش حيث يمرون بقدر على النار وبه وجبتنا المعروفة محليا ب “شرشم الزرع” .
يغرف أحدهم وهو يسابق شقيقه خلفه وحين يدركه يسلبه ما غرفه ، وهكذا …
يلعبون أثناء تناولهم لغدائهم ذاك .
كان قريبي هذا يريد أن يترك النساء في مكان ظليل حتى يتدبر أمر سيارته .
يقول : ألقيت نظرة سريعة وشاملة على كل محتويات ذلك العريش الذي تم اختيار مكانه في ما يشبه السد (ردة) وكانت السنابل جاهزة للقطاف .
قدرت القيمة الإجمالية للأثاث وما يحتمل أنه سيكون محصولا ، فوجدت أنه لا يساوي قيمة دراعة “أوزبي ” التي أرتديها .
يقول ..
وشعرت بخجل من نفسي وأنا أختال في تلك النعم بينما يكاد هؤلاء يموتون جوعا في تلك الفيافي .
بعد لحظات عبرت السيدة عن أسفها لكونها غير قادرة على تقديم أي ضيافة للضيوف نظرا لخلو المكان من أي زاد .
أبدى الجميع امتنانهم لكرمها وعبروا عن عدم حاجتهم لذلك .
أكمل صاحبنا طريقه وتدبر أمر سيارته ورجع لركابه وأكملوا رحلتهم بعد جمع ماتيسر لعون تلك العائلة .
تعمل هذه السيدة أياما في إحدى المدن القريبة نسبيا وتشتري بعض ماتيسر و تعود لصغارها وزوجها المقعد وتستقر معهم أياما ،، وهكذا (هكذا أخبرت إحدى النساء).
أنهى قريبي إجازته ورجع للعاصمة ، وهناك قص القصة على قريبه (رجل الأعمال صاحب السيارة )، فطلب الأخير أن يعود معه ليدله على مكان تلك العائلة ففعل .
وبقي رجل الأعمال وسائقه مع الأسرة في حين رجع صاحبنا في سيارة أخرى .
وهناك بدأت قصة أخرى
تم ترحيل العائلة إلى إحدى المقاطعات ولم تغرب شمس ذلك اليوم حتى اشترى رجل الأعمال هذا سكنا (حوش فيه امبار ودار وكزين ودوش ) ومنحها للعائلة .
وفي صبيحة اليوم الموالي كان الأطفال الأربعة في المدرسة وتم الاتفاق مع شيخ محظرة لتحفيظهم وتدريسهم في بيتهم .
وتم تأجير دكان على الشارع العام وتم ملؤه بالكامل بالبضاعة وسلمت مفاتيحه لتلك الأم المكافحة .
وتعهد بأن يتولى أمر تلك لعائلة حتى يتخرج أبناؤها الأربعة وهو ما حصل فعلا .
كلهم الآن حفظة لكتاب الله وخريجو جامعات ما عدى واحد اكتفى بالبكلوريا ويعمل بعضهم معه اليوم .
لم يتحدث رجل الأعمال عن هذه القصة أبدا .
وإنما انتزعها فضول قريبي من السائق الذي كان شاهدا على ما حصل بعد مغادرته .
اليوم يعيش رجل الأعمال هذا والله وحده أعلم بما خفي أو علم من صنيعه في تبني أبناء المطحونين والمستعبدين السابقين ، فقد عرفت محظرته المتكفل برواتب مدرسيها ومصاريف المقيمين فيها من طلاب العلم .
قد يكون لهذه القصة أشباه ونظائر لا يريد أصحابها ذكرها.
منقول س م و.
