تيشيت، المعلم الأثري والمدينة الأشد عزلة في موريتانيا

أزيد من تسعة قرون هو عمر مدينة تيشيت الأثرية التي أسسها الشريف عبد المؤمن بن صالح عام 536هـ، اشتهرت خلالها بمكانة علمية واقتصادية تشهد عليها الحوليات المشهورة وأزيد من 10 آلاف مخطوط ذي أهمية تاريخية بالغة.

مدينة تيشيت الواقعة بعمق ولاية تكانت وسط البلاد ظلت لقرون طويلة محطة لقوافل التجارة بين غرب وشمال إفريقيا، غير أن طريقها اليوم يصنف الأكثر وعورة من بين كافة الطرق التي تربط بين مقاطعات البلاد في الداخل.

وسبق لمواطنين من تيشيت أن نظموا سلسلة احتجاجات أمام القصر الرئاسي في العاصمة نواكشوط خلال العام 2018، مطالبين بالإسراع في إنجاز الطريق التي يتهمون الحكومة بالتراجع عنها بعد مصادقة البرلمان وإجراء مناقصة لإنجازها.

عزلة حادة

تقضي سيارات النقل نحو 16 ساعة لعبور الطريق الوعرة بين تيشيت وتجكجة على امتداد مسافة تقدر بحوالي 240 كلم، في رحلة مليئة بالمصاعب التي تتضاعف بالنسبة للمرضى حين يضطرون لخدمات العلاج خارج المدينة.

ينشط الحاج ولد سروال في النقل بين تيشيت وتجكجة وبين تيشيت والعيون، ويشير إلى أن غياب الخدمات الأساسية التي يحتاجها الناقلون وعلى رأسها محطات الوقود ومحطات إصلاح السيارات يفاقم معاناتهم، فضلا عن غياب شبكة الاتصال لمسافات شاسعة وما تسببه ندرة السالكين من مخاطر التيه في الصحراء المترامية الأطراف.

ولد سروال يقول متحدثا للأخبار إن الكثبان الرملية والحجارة تحتل أغلب مقاطع الطرق المؤدية إلى المدينة، ويضيف: “لو خففت ضغط رياح العجلات لتجاوز الرمال فقد عرضتها للتلف جراء الحجارة التي ستفاجئك في مقطع قريب، ولو زدت الضغط فلن تتمكن من عبور بحار الرمال”.

عزلة مدينة تيشيت تسببت في ارتفاع مذهل للأسعار بالمدينة، إذ يصل سعر نقل الكلغ الواحد من نواكشوط 55 أوقية وهو ما يجعل تكاليف النقل تفوق السعر الأصلي للبضاعة، بحسب ما ينقل التاجر في تيشيت الإمام ولد عبد المؤمن.

ويضيف ولد عبد المؤمن أن السكان يأملون فك العزلة بما يعيد للمدينة الأثرية ألقها كمعلمة تاريخية ووجهة سياحية، مشيرا إلى أن تعهدات ووعودا كثيرة تلقاها السكان من الحكومات المتعاقبة دون أن يروا لها أي أثر.

تعهدات تراوح مكانها

من حين لآخر يتلقى سكان تيشيت، كغيرها من المدن القديمة، وعودا بإنجاز مشاريع تنموية وأخرى لفك العزلة بما يجشع السكان على الاستقرار ويربط المدينة أكثر بباقي مدن البلاد، غير أن هذه الوعود ظلت تراوح مكانها دون أن تجد طريقها نحو التنفيذ.

ففي خطابه في النسخة الثالثة من مهرجان المدن القديمة وأول نسخ المهرجان تنظم بتيشيت في 24 يناير 2013، أكد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز أن المهرجان يأتي لوضع حد للإهمال وعوادي الأيام التي كانت تخفي صورة تيشيت الجميلة “خلف كثبان الرمال المتحركة والنسيان والتهميش”.

وأكد ولد عبد العزيز أن استعادة مدينة تيشيت لدورها التاريخي ومكانتها العلمية لن يتحقق “إلا بإقامة بنية تحتية تفك العزلة عن المدينة وتوصل إليها وسائل الاتصال الحديثة”، واعدا بـ “استراتيجية أكثر شمولا ترمي الى جعل المدينة قطبا تنمويا يستثمر إمكانياته السياحية وموارده الطبيعية بطريق أمثل”

ولد عبد العزيز عاد ليجدد في خطابه بمناسبة افتتاح النسخة السابعة من المهرجان وثاني نسخه في تيشيت فاتح ديسمبر 2017، الحديث عن احتياجات المدينة، حيث اعتبر أن “الواجب الوطني يفرض علينا الاهتمام بمدننا التاريخية وتنمية مواردها وتطوير بناها التحتية وفك العزلة عنها”.

ويعلق سكان تيشيت آمالهم على الوعود والتعهدات الجديدة التي حملها البرنامج الانتخابي للرئيس محمد ولد الغزواني وعبر عنها في خطاباته خلال الحملة الانتخابية الماضية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *